الحركة الوطنية المغربية: من المقاومة إلى ترسيخ الدولة الحديثة


في مسار الأمم، لا تُصنع التحولات الكبرى صدفة، بل تولد من رحم الأزمات واللحظات التاريخية الحاسمة التي تعيد تشكيل الوعي الجماعي وتحدد ملامح المستقبل. ويُجسّد تاريخ المغرب الحديث إحدى هذه اللحظات الفاصلة، حيث شكّلت مرحلة الحماية الفرنسية، بما حملته من هيمنة أجنبية ومقاومة وطنية، نقطة انطلاق حاسمة في تشكّل الوعي الوطني، وبداية مسار سياسي طويل انتهى بتأسيس الدولة المغربية الحديثة.
الحماية الفرنسية وبداية الوعي الوطني
أدى توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912 إلى فرض نظام استعماري جديد على المغرب، قُسّمت بموجبه البلاد بين مناطق نفوذ فرنسية وإسبانية، بينما خضعت مدينة طنجة لنظام دولي خاص. ولم يكن هذا التقسيم نتيجة ظرف عابر، بل جاء في سياق تنافس استعماري حاد بين القوى الأوروبية، انتهى بإخضاع المغرب لنفوذ خارجي حدّ بشكل كبير من سيادته السياسية.
ورغم محاولات سلطات الحماية تقديم هذا النظام على أنه وسيلة للإصلاح الإداري وتحديث مؤسسات الدولة، فإن الواقع أثبت أنه شكل من أشكال الاستعمار المقنّع. فقد جرى تقليص صلاحيات السلطان، وتفكيك البنيات التقليدية للسلطة، وتعزيز نفوذ الإقامة العامة التي أصبحت صاحبة القرار الفعلي في شؤون البلاد. وأمام هذا الوضع، بدأ وعي وطني يتبلور تدريجيًا، تجسد أولًا في رفض شعبي عفوي للوجود الأجنبي، ثم في مقاومات مسلحة بعدد من المناطق، خاصة في الريف والأطلس وسوس.

وثيقة المطالبة بالاستقلال 11 يناير 1944
شكّل تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يوم 11 يناير 1944 محطة مفصلية في مسار النضال الوطني المغربي ضد نظام الحماية الفرنسية. فقد انتقل النضال الوطني من مرحلة المطالبة بالإصلاحات الجزئية إلى الجهر الصريح بالمطالبة بالاستقلال الكامل ووحدة التراب الوطني، في خطوة سياسية جريئة عكست نضج الوعي الوطني وتطور أساليب المقاومة.
وقد جاءت هذه الوثيقة في سياق دولي وإقليمي خاص، تميز بتداعيات الحرب العالمية الثانية، وبروز مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها، ما شجّع الحركة الوطنية المغربية على توحيد صفوفها وصياغة تصور واضح لمستقبل البلاد. كما عبّرت الوثيقة عن ارتباط المطالبة بالاستقلال بإرساء نظام ديمقراطي، يقوم على احترام الحريات العامة، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، وبناء مؤسسات وطنية تمثيلية.
وقد قوبلت هذه المبادرة الوطنية برد فعل قمعي من طرف سلطات الحماية، التي لجأت إلى الاعتقالات والمحاكمات في صفوف الوطنيين، غير أن ذلك لم يزد الحركة الوطنية إلا قوة وانتشارًا، ورسّخ مطلب الاستقلال في الوعي الجماعي للمغاربة، باعتباره خيارًا لا رجعة فيه.
من المقاومة المسلحة إلى النضال السياسي
مع نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين، برز توجه جديد داخل الحركة الوطنية، انتقل من منطق المواجهة المسلحة إلى اعتماد العمل السياسي والفكري والتنظيمي. وقد ساهم هذا التحول في بروز تنظيمات وطنية هدفت إلى الدفاع عن حقوق المغاربة، والمطالبة بالإصلاحات، ثم الاستقلال التام.
وشكلت هذه المرحلة نقطة تحول أساسية في مسار النضال الوطني، حيث تم الانتقال من ردود الفعل المحلية والمتفرقة إلى عمل منظم يستند إلى الوعي السياسي، ويستثمر الوسائل السلمية كالمذكرات والاحتجاجات والنشاط الصحافي، ما مهد لبلورة مشروع وطني متكامل.
الاستقلال وتحديات بناء الدولة
عندما حصل المغرب على استقلاله في منتصف خمسينيات القرن العشرين، اعتقد كثيرون أن مرحلة النضال قد انتهت، وأن البلاد ستدخل تلقائيًا مرحلة الاستقرار وبناء الدولة الحديثة. غير أن الواقع كشف عن تحديات معقدة، تمثلت في طبيعة النظام السياسي، وحدود السلطة، وسبل بناء مؤسسات ديمقراطية قادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع.
في هذا السياق، استمر النضال الوطني ولكن بأدوات جديدة، قوامها المطالبة بدستور ديمقراطي، ومؤسسات منتخبة، وضمانات قانونية للحقوق والحريات. وقد شكّل النقاش الدستوري أحد أبرز معالم هذه المرحلة، حيث عرف المغرب أول دستور له سنة 1962، في أجواء سياسية اتسمت بتعدد المواقف وتباين الرؤى حول مستقبل الدولة.
المسار الدستوري وترسيخ المؤسسات
مثّل المسار الدستوري بالمغرب إحدى القضايا المركزية في مرحلة ما بعد الاستقلال، إذ ارتبط بإشكالية التوازن بين السلط، ودور المؤسسات المنتخبة، وحدود المشاركة السياسية. وقد عبّرت القوى الوطنية، كل من موقعه، عن تطلعاتها نحو توسيع قاعدة المشاركة، وترسيخ دولة القانون، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين.
ورغم ما شاب هذه المرحلة من توترات وصراعات سياسية، فإنها ساهمت في ترسيخ تقاليد العمل المؤسساتي، ووضعت اللبنات الأولى لمسار ديمقراطي تراكمي، عرف محطات متعددة من المد والجزر، لكنه ظل مرتبطًا بفكرة الإصلاح التدريجي والاستقرار.
الذاكرة الوطنية ورهان المستقبل
إن مقاومة الحماية الفرنسية، وما تلاها من نضال سياسي وفكري بعد الاستقلال، تشكل جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية للمغاربة. فقد أسهمت هذه التضحيات في بناء دولة مستقلة، وفتحت الباب أمام نقاش مجتمعي واسع حول الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والحريات العامة.
واليوم، يظل استحضار هذه المرحلة التاريخية ضروريًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، لأن بناء مغرب المؤسسات والكرامة لا ينفصل عن استيعاب دروس الماضي، وتثمين التضحيات التي قدمها المغاربة في سبيل الحرية والاستقلال.
الانتخابات التشريعية المقبلة: رهان المشاركة واختيار المستقبل
تُعد الانتخابات التشريعية المقبلة محطة أساسية في المسار الديمقراطي للمغرب، لما تتيحه من فرصة حقيقية أمام المواطنات والمواطنين للمشاركة في صنع القرار السياسي واختيار ممثليهم داخل المؤسسة التشريعية. فالمشاركة في الاقتراع ليست مجرد ممارسة شكلية، بل هي تعبير عن الوعي المدني، ومسؤولية وطنية تساهم في ترسيخ دولة المؤسسات وتعزيز الثقة في العمل السياسي.
وفي هذا السياق، يبرز حزب الحركة الشعبية كأحد الأحزاب الوطنية التي راكمت تجربة سياسية مهمة، واستطاعت أن تحافظ على حضورها في المشهد السياسي المغربي. ويقود الحزب اليوم السيد محمد أوزين، الذي يسعى، من موقعه القيادي، إلى ضخ دينامية جديدة داخل الحزب، تقوم على إعادة الاعتبار للعمل السياسي الجاد، وتقوية دور الشباب، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويطرح حزب الحركة الشعبية رؤية ترتكز على الدفاع عن القضايا الاجتماعية والتنموية، خاصة في العالم القروي والمناطق المهمشة، مع التأكيد على العدالة المجالية، وتحسين الخدمات العمومية، وتعزيز الحكامة الجيدة. كما يدعو الحزب إلى مشاركة واسعة في الانتخابات، باعتبارها المدخل الأساس لإفراز مؤسسات قوية وقادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجميع الانخراط الإيجابي في الاستحقاقات المقبلة واختيار البرامج القابلة للتنفيذ، والقيادات القادرة على تحمل المسؤولية ، فصوت المواطن يظل أداة حاسمة في رسم معالم الحكومة المقبلة، وتوجيه السياسات العمومية نحو تحقيق التنمية والإنصاف الاجتماعي.
نوفل بوصفي : طالب باحث في الدراسات السياسية و الجيوستراتيجية بجامعة محمد الخامس بأكدال





