Géopolitiqueرياضة

المغرب بين قارتين : عتاب إفريقي ورسالة أوروبية

Le chérifien

لم يعد سؤال موقع المغرب مجرّد نقاش جغرافي، بل تحوّل إلى معركة رمزية حول من يعترف بقيمته ومن يختزل دوره في هامش المشهد الإقليمي. بين قارة ينتمي إليها رسميًا، وأخرى يتعامل معها كشريك استراتيجي متقدم، يقف المغرب اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، لا مجازي.

من جهة، راكم المغرب في إفريقيا رصيدًا كبيرًا من الحضور السياسي والاقتصادي والديني، عبر استثمارات بمليارات الدولارات، وتوسّع بنكي، ومبادرات ملكية لربط غرب إفريقيا ووسطها مشاريعياً بالمغرب، من أنبوب الغاز النيجيري–المغربي إلى الرؤية الأطلسية لربط دول الساحل بالمحيط. لكنّ مقابل هذا الانخراط العميق، ظلّت مواقف جزء من الفضاء الإفريقي مترددة أو عدائية أحيانًا، سواء في قضايا الوحدة الترابية أو في امتحانات التضامن الفعلي، ما زرع في الوعي المغربي شعورًا جارحًا بأن هذه القارة لا تعكس حجم ما قُدّم لها

في لحظات الخذلان، يخيّل للمغربي أنه كان ساذجًا في حسن نيّته، وأنه بالغ في التعويل على “الأخوّة القارية” على حساب لغة المصالح الباردة. فتاريخ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، رغم حسابات بعض الخصوم، جسّد رهانًا على بناء بيت إفريقي موحّد، لكن الوقائع السياسية والإعلامية مرارًا كشفت أن الخطاب الأخوي كثيرًا ما يُستعمل ضد المغرب أكثر مما يُستعمل لصالحه. وهنا يبرز العتاب الحاد: لماذا يُطالَب المغرب بأن يكون إفريقيًا عندما يتعلق الأمر بالتضحية، ويُعامل كجسم غريب عندما يطالب بالاعتراف بمصالحه وقيادته الإقليمية؟

الشراكة الأوروبية كحل استراتيجي

في الجهة الأخرى من الضفة، نسج المغرب علاقة مختلفة تمامًا مع أوروبا، علاقة تقوم على تعاقد سياسي واقتصادي طويل الأمد، توّج بالحصول على “الوضع المتقدم” داخل الاتحاد الأوروبي منذ 2008، بما يعنيه من تقارب تشريعي، وتكامل اقتصادي تدريجي، وحوار سياسي وأمني معمّق. أوروبا ترى في المغرب أكثر من جار جنوبي؛ تراه شريكًا يحمي حدودها من الفوضى، ويضمن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط، ويقدّم نموذجًا في الجمع بين الإصلاح السياسي النسبي والاستقرار المؤسساتي.

عمليًا، يعيش المغرب منذ سنوات في حالة “نصف عضوية” مع أوروبا: جزء كبير من تجارته الخارجية، واستثماراته، وتعاونه الأمني، متداخل مع المنظومة الأوروبية، في حين يُحرم من إطار مؤسساتي كامل يمكّنه من الاستفادة القصوى من هذا التشابك. وإذا كانت تجربة طلب الانضمام للمجموعة الأوروبية سنة 1987 قد رُفضت بحجة أن المغرب ليس دولة أوروبية جغرافيًا، فإن التحولات الجيوسياسية الحالية تجعل النقاش حول صيغ اندماج أعمق – ولو خارج العضوية الكاملة – أكثر واقعية من أي وقت مضى.

نحو معادلة انتماء جديدة

هنا يتقاطع العتاب الإفريقي مع الخطاب الموجّه لأوروبا. للمغربي الحق أن يقول لإفريقيا، بقدر من القسوة: لقد تعبنا من قارة لا تحمي أبناءها الأقوياء بل تحاصرهم بالشبهات والتحالفات الظرفية. وله في الوقت نفسه أن يخاطب أوروبا بلغة باردة وواضحة: إن كنتم تعتبرون المغرب شريكًا استراتيجيًا ومستقرًا في محيط مضطرب، فآن الأوان لترجمة هذا الكلام إلى هندسة سياسية واقتصادية استثنائية تتجاوز منطق “الجوار الموسّع” إلى شكل من أشكال الاندماج المهيكل.

الحديث عن بحث المغرب عن “خيار أوروبي نهائي” ليس هروبًا من إفريقيا، بل هو احتجاج على واقع تتغيّر فيه موازين القوى، بينما تصرّ بعض النخب الإفريقية على لعبة الابتزاز الإيديولوجي. كما أنه ليس استجداءً لأوروبا، بل تذكير لها بأن شريكًا يملك بوابة الأطلسي، وعمقًا إفريقيًا، واستقرارًا مؤسساتيًا، لا ينبغي أن يبقى معلّقًا في منطقة رمادية بين شراكات فضفاضة ووعود مؤجلة.

قد يكون خطأ المغرب الأكبر أنه تصرّف طويلاً كفاعل “نبيـل” في عالم تحكمه الحسابات الباردة؛ أعطى القارة وزنًا أكبر مما تعطيه له، وتعامل مع أوروبا بخطاب الشريك الملتزم أكثر من خطاب المفاوض الصلب. اليوم، تفرض لحظة الوعي المؤلم مراجعة هذا السلوك: لم يعد مقبولًا أن يُختزل المغرب في دور التلميذ النجيب في إفريقيا، ولا في دور الحارس الأمين على حدود أوروبا، من دون مقابل سياسي واقتصادي يعكس تفوقه النسبي واستقراره.

Articles liés

Bouton retour en haut de la page