بين دموع القيادة وغرق القرى: حين تختل بوصلة الخطاب السياسي

في الوقت الذي كان فيه المغرب يعيش واحدة من أقسى لحظاته الإنسانية، مع فيضانات جارفة، وغرق قرى، وانهيارات طالت البشر والحجر، اختارت بعض النخب السياسية أن تنشغل بذاتها، وتدير ظهرها لنبض الوطن الجريح. الصورة التي تناقلها الرأي العام، وما رافقها من مشاهد البكاء والتأثر داخل مؤتمر حزبي استثنائي، لم تكن مجرد لحظة عاطفية عابرة، بل تحولت إلى رسالة سياسية ملتبسة في سياق وطني لا يحتمل الالتباس.
لسنا أمام دموع إنسانية نابعة من الإحساس الجماعي بالمأساة، بل أمام عاطفة حزبية داخلية وُظّفت في لحظة كان ينتظر فيها المواطن خطابًا من طبيعة أخرى: خطاب المسؤولية، والالتزام، والمحاسبة الذاتية. فحين تبكي القيادات على رحيل زعامة حزبية، بينما يشيّع المواطنون ضحايا الفيضانات في القرى والمداشر، يصبح السؤال مشروعًا: على ماذا تُسكب الدموع؟ وعلى من؟
حزب يتصدر المشهد الحكومي، ويتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، لا يُقاس خطابه ببلاغة التعاطف اللغوي، بل بقدرته على استيعاب اللحظة الوطنية وترجمتها إلى فعل سياسي واضح. التضامن اللفظي مع ضحايا الكوارث الطبيعية، حين يصدر عن حزب يقود الحكومة، لا يكفي ولا يعفي من المساءلة. لأن الفرق كبير بين حزب في المعارضة يكتفي بالتنديد، وحزب في الحكم يُفترض أن يتحمل عبء القرار والتدخل والتخطيط الاستباقي.
ما حدث في المؤتمر الاستثنائي يعكس خللًا أعمق من مجرد سوء تقدير ظرفي؛ إنه يعكس أزمة في ترتيب الأولويات السياسية. حين تتقدم الذات التنظيمية على المصلحة العامة، وحين تُختزل السياسة في لحظة وفاء داخلي بدل أن تكون أداة لحماية المجتمع، فإننا نكون أمام انزياح خطير في وظيفة الفعل الحزبي. السياسة، في جوهرها، ليست طقسًا شعوريًا ولا مناسبة للتباكي، بل مسؤولية أخلاقية ومؤسساتية.
الأكثر إثارة للقلق ليس فقط غياب خطاب قوي يوازي حجم الكارثة، بل أيضًا غياب الإحساس بأن ما يحدث في القرى المنكوبة هو امتحان حقيقي لقدرة الدولة وأحزابها على حماية الفئات الهشة. المواطن الذي جرفته السيول لا يعنيه من يقود الحزب، بقدر ما يعنيه: أين كانت البنية التحتية؟ أين كانت سياسات الوقاية؟ ومن سيتحمل مسؤولية الإهمال المتراكم؟
إن أخطر ما في المشهد هو تطبيع هذا النوع من الانفصال بين الزمن الحزبي والزمن الاجتماعي. زمن الأحزاب يبدو أحيانًا بطيئًا، مغلقًا على ذاته، منشغلًا بالتوازنات الداخلية، بينما زمن المواطن سريع، قاسٍ، لا ينتظر. وحين لا يلتقي الزمنان، تتسع فجوة الثقة، ويترسخ الشعور بأن السياسة تعيش في مكان، والمجتمع في مكان آخر.
في لحظات الكوارث، لا تُقاس الأحزاب بما تقوله، بل بما تؤجله. وتأجيل النقاش الحقيقي حول المسؤولية السياسية في تدبير الأزمات الطبيعية، لصالح مشاعر داخلية، هو تأجيل مكلف. لأن الوطن لا ينتظر، والماء حين يغمر البيوت لا يفرّق بين حزب وآخر.
الدرس الذي كان يفترض أن يُستخلص من هذه اللحظة، هو أن الشرعية السياسية تُبنى في الميدان لا على المنصات، وأن الدموع التي تمنح السياسة معناها الحقيقي، هي تلك التي تُذرف بصمت في القرى المنسية، لا تحت أضواء المؤتمرات.





