سباق خلافة أخنوش داخل “الأحرار”: صراع الأجنحة أم اختبار النضج التنظيمي

تشهد الساحة السياسية المغربية، خلال الأسابيع الأخيرة، دينامية غير مسبوقة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، مع اقتراب مرحلة ما بعد عزيز أخنوش، الرجل الذي طبع الحزب لسنوات ببصمته التنظيمية والسياسية، وقاده من موقع “الحزب الإداري التقليدي” إلى صدارة المشهد الحكومي والانتخابي.
في هذا السياق، كشفت معطيات متقاطعة، تداولتها عدة مصادر إعلامية وطنية، أن محمد أوجار، عضو المكتب السياسي للحزب ووزير العدل السابق، أودع رسميًا ملف ترشحه لرئاسة الحزب، ليكون بذلك أول قيادي يخرج إلى العلن معلنًا رغبته في خلافة أخنوش. خطوة تحمل أكثر من دلالة، ليس فقط لأنها سابقة زمنية، بل لأنها تعكس رغبة جناح من داخل الحزب في تقديم مرشح بخبرة سياسية طويلة ومسار مؤسساتي واضح.
غير أن ترشيح أوجار لا يبدو، وفق نفس المعطيات، سوى بداية لمعركة تنظيمية أوسع. إذ تشير مصادر متطابقة إلى أن اسمين وازنين داخل الحزب يستعدان بدورهما لدخول السباق، ويتعلق الأمر بمحمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ونادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، وهما اسمان يختزلان، كل بطريقته، جزءًا من الرأسمال السياسي والتدبيري الذي راكمه “الأحرار” خلال مرحلة قيادته للحكومة.
ما وراء الترشيحات: صراع رؤى أم إعادة تموقع؟
من منظور تحليلي، لا يمكن قراءة هذه الترشيحات فقط باعتبارها تنافسًا شخصيًا على القيادة، بل هي تعبير عن صراع هادئ بين توجهات داخل الحزب.

محمد أوجار يمثل، في المخيال التنظيمي، الامتداد السياسي الكلاسيكي للحزب، بخلفية قانونية، وتجربة حزبية وإعلامية طويلة، وخطاب يميل إلى إعادة الاعتبار للعمل السياسي بمعناه المؤسساتي.
في المقابل، يعكس تحرك محمد سعد برادة منطق “التنظيم الميداني”، حيث تشير المعطيات إلى شروعه في حملة تواصل مكثفة مع برلمانيين ومنتخبين وفاعلين حزبيين، في محاولة لبناء شبكة دعم داخلية قادرة على قلب موازين المؤتمر. وهو أسلوب يعكس فهمًا براغماتيًا لطبيعة الحزب، حيث تلعب الأوزان الانتخابية والتنظيمية دورًا حاسمًا.
أما نادية فتاح العلوي، فتبدو، وفق مصادر متعددة، أقرب إلى خيار “الاستمرارية الناعمة” لمرحلة أخنوش، بحكم موقعها داخل الحكومة، وعلاقاتها القوية داخل الدائرة الضيقة للقيادة الحالية. ترشيحها المحتمل يحمل بعدًا رمزيًا قويًا، سواء من حيث الكفاءة التقنية أو من زاوية تمثيلية المرأة داخل قيادة حزب يقود الحكومة.
تحدي الانتقال: الحزب أمام امتحان حقيقي
من زاوية أوسع، يطرح هذا السباق سؤالًا مركزيًا:
هل ينجح التجمع الوطني للأحرار في تدبير انتقال قيادي هادئ دون تفكك داخلي؟
تاريخ الأحزاب المغربية يُظهر أن مرحلة ما بعد “الزعيم القوي” غالبًا ما تكون مرحلة اهتزاز، حيث تطفو الصراعات الكامنة إلى السطح. غير أن خصوصية “الأحرار” تكمن في كونه حزبًا يدير السلطة اليوم، ما يجعل أي انقسام داخلي ينعكس، بشكل أو بآخر، على تماسك الأغلبية الحكومية وعلى صورة الحزب في أفق الاستحقاقات المقبلة.
المعركة إذن ليست فقط معركة خلافة أخنوش، بل معركة تحديد هوية الحزب في المرحلة القادمة:
هل يستمر كحزب تدبيري تقنوقراطي قوي الارتباط بالدولة والاقتصاد؟ أم يتجه نحو إعادة بناء خطاب سياسي أوضح وقاعدة تنظيمية أكثر استقلالية؟
قراءة Le Chérifien
من موقع المراقب السياسي، يمكن القول إن ما يجري داخل “الأحرار” اليوم هو مؤشر على انتقال الحزب من مرحلة “القيادة المركزية” إلى مرحلة “التوازنات الداخلية”. نجاح هذا الانتقال سيعزز موقعه كحزب مؤسساتي ناضج، بينما فشله قد يفتح الباب أمام تصدعات يصعب احتواؤها، خاصة في سياق إقليمي ودولي يتسم بعدم اليقين.
الأكيد أن المؤتمر المقبل لن يكون مجرد محطة تنظيمية، بل مفصلًا سياسيًا سيحدد ليس فقط اسم الأمين العام المقبل، بل مستقبل الحزب ومكانته في المشهد السياسي المغربي لما بعد 2026





