صعود بلا ضجيج: حليمة العسالي أو حين ينتصر الصمت على الهيمنة الذكورية

Le chérifien
في قلب الأطلس المتوسط، حيث ينهض الجبل كذاكرة حيّة وتنساب أنغام الناي الأمازيغي مثل صلاة قديمة للريح، وُلدت حليمة العسالي من رحم الجغرافيا القاسية والتاريخ الصامت. هناك، عند تخوم خنيفرة ومنابع أم الربيع، تشكّلت شخصيتها الأولى: ابنة قبيلة بدوية، ابنة قايد صارم، وامرأة كُتب لها منذ البدء أن تفاوض القدر لا أن تستسلم له.
نشأت داخل الخيمة، ذلك الفضاء الذي لا يختزل الهشاشة بل يختزن نظامًا رمزيًا معقدًا للأنوثة الأمازيغية؛ خيمة تفصل بين الداخل المؤنث والخارج المذكر، بين الخصوصي والعام. غير أن روح حليمة، المجبولة على التمرّد الهادئ، لم تعترف طويلاً بهذه الحدود. فبينما كان العرف يحصر المرأة في تدبير اليومي، ، كانت تُمسك بمقود الجرّار الزراعي بثقة أربكت الرجال، معلنة مبكرًا عن هوية هجينة: امرأة تقليدية في الجذور، حداثية في الطموح، وصلبة في الفعل.
من هذا التناقض الخلّاق، خرج وعيها السياسي. لم يكن وعيًا مستوردًا من الصالونات، بل وُلد من الاحتكاك المباشر بالتهميش الثقافي، ومن الإحساس العميق بأن الأمازيغية ليست فلكلورًا بل كرامة وهوية وحقًا في الوجود الرمزي داخل الدولة. لذلك لم يكن مطلبها بقناة أمازيغية مجرد شعار، بل امتدادًا طبيعيًا لمعركة الاعتراف، وصوتًا نسائيًا أول خرج من الجبل نحو المركز.
دخلت حليمة العسالي السياسة من بوابة الحركة الشعبية، مستشارة بجماعة الهري، ثم نائبة برلمانية بين 2002 و2007، قبل أن تصعد إلى عضوية المكتب السياسي، وتنتخب عضوًا بمجلس جهة بني ملال–خنيفرة. مسارها لم يكن قفزة معزولة، بل بناءً تراكميًا لرأسمال اجتماعي وسياسي، لعب فيه زواجها الرفيقي من القايدي أمهروق، رحمه الله، دور الجسر بين البادية ومراكز القرار. لم يكن هذا الزواج انتقالًا طبقياً بقدر ما كان تحالفًا قيمياً، فتح أمامها فضاءات الفعل دون أن يقطع حبلها السري مع الجبل.
أسست منظمة المرأة الحركية، لا كواجهة حزبية، بل كأداة حماية وتمكين، ودرع في مواجهة العنف السياسي والاجتماعي الذي يطال النساء داخل الفضاء العام. ومن داخل هذه الدينامية، ساهمت في إعادة ترتيب موازين القوى المحلية، وكان للحزب الذي تنتمي إليه أن يظفر برئاسة بلدية خنيفرة، في لحظة جسّدت كيف يمكن للشبكات القبلية، حين تُدار بذكاء، أن تتحول من بنية تقليدية إلى رافعة سياسية حديثة.

في المخيال الأمازيغي، ثمة دائمًا صورة “المرأة الحديدية” التي تظهر في زمن الشدة، تمنح الجماعة صلابة رمزية وقدرة على الصمود. بهذا المعنى، لم تكن حليمة العسالي استثناءً، بل امتدادًا معاصرًا لأسطورة قديمة. واجهت الهيمنة الذكورية لا بالضجيج، بل بالصبر، وبحضور هادئ يراكم الإنجاز ويترك للأثر أن يتكلم بدل الشعارات.
اليوم، حين تُكرَّم في “ليالي الوفاء” بوصفها “الهيبة الهادئة” و“زاوية” الحركة الشعبية، لا يُحتفى فقط بمسار امرأة، بل بتجربة مغربية عميقة الدلالة: تجربة انتقال من الخيمة إلى البرلمان، من الهامش الجغرافي إلى المركز السياسي، ومن الصمت المفروض إلى الصمت القوي الذي يفرض احترامه.
إرث حليمة العسالي يتجاوز السيرة الفردية. إنه نموذج أنثروبولوجي وسياسي في آن، يبيّن كيف تستطيع الهوية الثقافية، حين تُحمل بوعي ومسؤولية، أن تتحدى المركز دون أن تنفصل عن الدولة، وأن تمكّن النساء من الأسفل، من أعماق المغرب العميق، لا عبر القطيعة مع الماضي، بل عبر تحويله إلى قوة تفاوض مع المستقبل





