التخطيط في علم التوريط زمن التافهين

في زمن التافهين حيث يصبح الجهل وسيلة للصعود والتفاهة عنوانا للشهرة لم نعد نتعجب من أن يتحول الاعلام من منبر وعي الى مصنع لصنع الفضائح وتحويلها الى علم دقيق اسمه علم التوريط وشوف تيفي هنا ليست قناة اعلامية بسيطة بل مختبر حي يثبت كيف يخطط لتسريب العقل الجماعي بدقة جادة كأنها خطة عسكرية لغزو الوعي بالبوز المسموع فالتخطيط هنا ليس عشوائيا بل منظما بمراحل واضحة تبدأ بعناوين نارية كفضيحة مدوية تجرف المتفرج من غرفة نومه الى شاشة الهاتف وتنتهي بتحويله الى مدمن على جرعة يومية من الفرجة المسمومة وكأن المشهد المغربي قد ادرك أن الحقيقة المرة لا تباع الا بعد تلويثها بقصة طلاق او دموع او صراخ في لايف مباشر يجعل معاناة البسطاء بضعة للتسويق اليومي
يأتي علم التوريط هذا كاستراتيجية محكمة تشبه زواج المحارم في السياسة الذي حذرنا منه قبلُ حيث يتزوج البوز مع الاعلام في نكاح غير شرعي يثمر اجيالا من التافهين الذين يصعدون الى منصات المجد الاعلامي بغير كفاءة أو علم فتحول القناة من مرآة للواقع الى مصنع ينتج واقعا جديدا يطغى فيه صوت الفضائح على صوت الحقائق ويحول المواطن من ناخب واع الى متفرج كسولان يتبع البرلمان في لايفات البوز أكثر مما يتبع النصوص القانونية التي تنظم حياته وكأن الخطة الحقيقية هي اغراقه في تفاصيل تافهة حتى يبدو له التفكير في البديل السياسي مغامرة غير ضرورية ما دام العرض مستمرا والشو يوفر له تخديرا يوميا مجانيا بلائفات تجعل الجدية تبدو كملل والعمق كتعقد نخبوي لا يليق بالشعب الحر المتحرر من أوهام المعرفة.
في هذا الزمان الذي يسمى زمن التافهين ليس الامر مجرد انحطاط ثقافي بل بيئة حاضنة تشتغل بمنطق الديموكتادورية حيث الشكل ديمقراطي والمضمون استلابي فيسمح للجميع بالكلام شرط أن يكون الكلام فارغا من أي تهديد حقيقي لموازين القوة ويصبح التافه خبيرا معتمدا والمؤثر ذو الشهادة البثية يتقدم على المختص ذي الشهادة العلمية لأن معيار القيمة لم يعد الفكرة بل عدد المشاهدات وشوف تيفي تقف هنا كمثال حي لهذا العلم الجديد الذي يخطط لتوريط العقل بمراحل اولها العنوان الملغم الذي يضرب غريزة الفضول ثم التفاصيل التافهة التي تحول المواطن الى حافظ لسيرة حياة المؤثرين ناسيا سيرة القوانين التي تدور في البرلمان واخيرها الادمان الذي يجعل المتفرج يترقب جرعته اليومية من دموع وصراخ وفضائح تجعل القضايا الوطنية حلقات ترفيه ساخرة تخفي وراءها المحاسبة الحقيقية والميزانيات والقرارات التي تغير حياة الناس.
ومن هنا يطرح السؤال الذي يليق بزماننا كما طرحه الحديث عن الكهول في تدبير الشؤون الى أي مدى سنظل نعتمد على التافهين في تدبير شؤون الوعي الجماعي عبر الشاشات فما لم يطرح هذا السؤال بجدية سيستمر التحالف غير المقدس بين منصة تبحث عن البوز وسلطة مستفيدة من شعب مستهلك للفرجة ليولد لنا في كل موسم نسخة جديدة من زمن التافهين بوجه أكثر وسامة وأقل مسؤولية وكأن الخلاص الوحيد هو أن يقرر المواطن تغيير القناة في دماغه قبل الريموت في يده فالبوز لا يموت الا إذا مات المتفرج فيه





