صدام أوروبي مرتقب: باريس في مواجهة محور برلين–روما حول إنعاش الاقتصاد

تتجه الأنظار إلى القمة الأوروبية المرتقبة هذا الأسبوع، حيث يلوح في الأفق خلاف واضح بين فرنسا من جهة، وألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى، بشأن المسار الأنسب لإعادة تحريك اقتصاد الاتحاد الأوروبي في مرحلة تتسم بتباطؤ النمو وتزايد الضغوط الصناعية والتجارية.
باريس تدفع باتجاه مقاربة أكثر جرأة تقوم على تعزيز الأدوات المالية المشتركة داخل الاتحاد، بما في ذلك إعادة طرح فكرة الديون الأوروبية المشتركة لتمويل الاستثمارات الاستراتيجية، إلى جانب ترسيخ ما تسميه «الأفضلية الأوروبية» في الصفقات العمومية ودعم الصناعات الحيوية داخل السوق الموحدة.
في المقابل، تميل برلين وروما إلى رؤية أكثر تحفظاً على صعيد التوسع في أدوات الدين المشترك، مع التركيز على إصلاحات هيكلية وطنية، وتحفيز القدرة التنافسية عبر تخفيف الأعباء التنظيمية، ودعم القطاع الخاص دون تعميق آليات التضامن المالي بين الدول الأعضاء.
معركة الأدوات المالية
النقاش حول «السندات الأوروبية» يعكس جوهر الخلاف. فرنسا ترى أن التحديات المشتركة — من التحول الأخضر إلى الأمن الصناعي — تتطلب تمويلاً أوروبياً جماعياً واسع النطاق، على غرار ما حدث خلال خطة التعافي بعد جائحة كورونا. أما ألمانيا، المدافعة تقليدياً عن الانضباط المالي، فتتحفظ على جعل أدوات الاقتراض المشترك آلية دائمة، خشية تحميل دافعي الضرائب أعباء إضافية أو خلق حوافز مالية غير متوازنة بين الدول.
إيطاليا، وإن كانت مستفيدة سابقاً من أدوات التمويل الأوروبية، تبدو اليوم أقرب إلى المقاربة الألمانية في بعض الملفات، خاصة ما يتعلق بضرورة تحفيز النمو عبر إصلاحات داخلية بدل التوسع في آليات الدين الجماعي.
«الأفضلية الأوروبية» تحت المجهر
ملف آخر يثير الانقسام يتمثل في فكرة منح الشركات الأوروبية أولوية في الصفقات والمشتريات الاستراتيجية، في سياق منافسة عالمية محتدمة مع الولايات المتحدة والصين. باريس ترى أن الدفاع عن القاعدة الصناعية الأوروبية يتطلب أدوات حماية ذكية تمنع تسرب الاستثمارات والوظائف خارج القارة.
لكن منتقدي هذا التوجه يحذرون من أن أي نزعة حمائية مفرطة قد تضر بانفتاح السوق الموحدة وتعرض الاتحاد لإجراءات مضادة من شركائه التجاريين.
اتفاق ميركوسور: اختبار للتوازن التجاري
اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل ميركوسور اللاتيني يشكل بدوره نقطة توتر. فرنسا تبدي تحفظات قوية مرتبطة بحماية القطاع الزراعي والمعايير البيئية، بينما ترى دول أخرى، من بينها ألمانيا، أن الاتفاق يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الصادرات الأوروبية وتنويع الشراكات التجارية.
هذا التباين يعكس صراعاً أعمق بين مقاربة تركز على الحماية والضبط، وأخرى تراهن على الانفتاح والتنافسية العالمية.
لحظة مفصلية للاتحاد
القمة المرتقبة لن تكون مجرد اجتماع دوري، بل محطة اختبار حقيقية لقدرة القادة الأوروبيين على صياغة رؤية اقتصادية مشتركة في ظل تباين الأولويات الوطنية. التحدي لا يقتصر على تحفيز النمو، بل يمتد إلى الحفاظ على تماسك الاتحاد في وقت تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية والمنافسة الاقتصادية الدولية.
بين طموح فرنسي لإعادة تعريف أدوات التضامن الاقتصادي، وتحفظ ألماني-إيطالي يميل إلى الانضباط والإصلاح، يبدو أن معركة الرؤى داخل الاتحاد الأوروبي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة من المشروع الأوروبي.





