عندما تفقد الانسانية معناها الحقيقي


لا يهمني كثيرًا من خاطر بحياته من أجل حلمه في الضفة الأخرى، ولا من آثر البقاء في وطنه ليبني حلمه من الداخل. ما يهمني حقًا هو ذلك الإنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي حاول العبور مثل غيره، بينما مرّ الجميع من حوله وكأن لا أحد رأى هشاشته أو سمع صمته. هنا فقط يبرز السؤال الأخلاقي العميق: هل بنينا الإنسان قبل أن نبني البنيان؟
إن فشل بناء الدولة الاجتماعية، رغم ما رُصد لها من إمكانات مالية ومشاريع كبرى، ليس مجرد خلل في التدبير، بل هو في جوهره فشل في بناء الإنسان ذاته. لأن الدولة، مهما بلغت من قوة بنيتها التحتية، تبقى ناقصة إذا لم تُشيد في الوقت نفسه بنيتها القيمية والإنسانية. فالرفاه الحقيقي لا يبدأ من الإسمنت والحديد، بل من ترسيخ معنى الكرامة، ومن حماية الإنسان باعتباره قيمة قبل أن يكون رقمًا في الإحصاء أو موضوعًا في خطاب رسمي.
لقد أنتجت بلادنا، مع الأسف، نخبة سياسية انشغلت كثيرًا بالطرقات والجسور والمشاريع الكبرى، لكنها أهملت ما هو أعمق: بناء الوعي، وصياغة الضمير العام، وتأسيس ثقافة تضامن وعدالة واعتراف بالآخر. فالمصانع العملاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، والبنيات الحديثة، كلها تظل عاجزة عن أداء رسالتها إن لم تسندها إنسانية حقيقية تجعل من المواطن غاية لا وسيلة.
ومن هنا، يصبح رد الاعتبار للفكر السياسي المغربي ضرورة لا ترفًا. لأن أي مشروع تنموي لا يضع الإنسان في مركزه، سيظل مجرد تراكم مادي لا يصنع نهضة، ولا يؤسس لتقدم مستدام. إن جوهر الأزمة ليس في غياب المشاريع فقط، بل في غياب الفكرة التي تجعل من الإنسان أساس كل مشروع، ومن الكرامة معيار كل سياسة، ومن العدالة الاجتماعية شرطًا لكل تنمية.
إننا لا نحتاج فقط إلى دولة تبني الطرقات، بل إلى دولة تبني المعنى. لا نحتاج فقط إلى مؤسسات تُنجز، بل إلى رؤية تُنصف الإنسان. فحين نعيد الإنسان إلى مركز التفكير السياسي والاجتماعي، يمكن عندها فقط أن نلحق بركب التقدم الحقيقي، لا التقدم الشكلي الذي يلمع في الخارج ويخفي هشاشة الداخل





